مجمع البحوث الاسلامية
81
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الحقيقة ، وقد يستسلم ويثوب . وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ فهو السّلطان القادر ، وهي المشيئة الطّليقة في الخلق والإبداع والتّغيير والتّبديل وعرض هذه الحقيقة ، فضلا على أنّه من عمليّات البناء للعقيدة في قلوب المؤمنين ، هو كذلك مؤثّر موح في نفوس الّذين يدعون إلى الاستسلام للّه ربّ العالمين ، الخالق بالحقّ الّذي يقول : كُنْ فَيَكُونُ . قَوْلُهُ الْحَقُّ سواء في القول الّذي يكون به الخلق : كُنْ فَيَكُونُ ، أو في القول الّذي يأمر به بالاستسلام له وحده ، أو في القول الّذي يشرع به للنّاس حين يستسلمون ، أو في القول الّذي يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل ، وعن الخلق والنّشأة والحشر والجزاء . و قَوْلُهُ الْحَقُّ في هذا كلّه ، فأولى أن يستسلم له وحده من يشركون به ما لا ينفع ولا يضرّ من خلقه ، ومن يتّبعون قول غيره كذلك وتفسيره للوجود وتشريعه للحياة ، في أيّ اتّجاه . ( 2 : 1134 ) الطّباطبائيّ : قَوْلُهُ الْحَقُّ تعليل علّلت به الجملة الّتي قبله ، والدّليل عليه فصل الجملة ، و ( الحقّ ) هو الثّابت بحقيقة معنى الثّبوت ، وهو الوجود الخارجيّ والكون العينيّ ؛ وإذ كان قوله هو فعله وإيجاده كما يدلّ عليه قوله : وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ فقوله تعالى هو نفس الحقّ ، فلا مردّ له ولا مبدّل لكلماته ، قال تعالى : وَالْحَقَّ أَقُولُ ص : 84 . ( 7 : 146 ) ابن عاشور : والباء من قوله : ( بالحقّ ) للملابسة ، والمجرور متعلّق ب ( خلق ) أو في موضع الحال من الضّمير . و ( الحقّ ) في الأصل مصدر « حقّ » إذا ثبت ، ثمّ صار اسما للأمر الثّابت الّذي لا ينكر ، من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل ، مثل : فلان عدل . والحقّ : ضدّ الباطل ، فالباطل اسم لضدّ ما يسمّى به الحقّ ، فيطلق الحقّ إطلاقا شائعا على الفعل أو القول الّذي هو عدل ، وإعطاء المستحقّ ما يستحقّه ، وهو حينئذ مرادف العدل ، ويقابله الباطل فيرادف الجور والظّلم . ويطلق الحقّ على الفعل أو القول السّديد الصّالح البالغ حدّ الإتقان والصّواب ، ويرادف الحكمة والحقيقة ، ويقابله الباطل فيرادف العبث واللّعب . و ( الحقّ ) في هذه الآية بالمعنى الثّاني ، كما في قوله تعالى : ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ الدّخان : 39 ، بعد قوله : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ الدّخان : 38 وكقوله : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا آل عمران : 191 ، فاللّه تعالى أخرج السّماوات والأرض وما فيهنّ من العدم إلى الوجود لحكم عظيمة ، وأودع في جميع المخلوقات قوى وخصائص تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ، ورتّبها على نظم عجيبة ، تحفظ أنواعها وتبرز ما خلقت لأجله ، وأعظمها خلق الإنسان وخلق العقل فيه والعلم . وفي هذا تمهيد لإثبات الجزاء ؛ إذ لو أهملت أعمال المكلّفين لكان ذلك نقصانا من الحقّ الّذي خلقت